في احدى المدن الكبرى ارتفع مبنى ضخم يلمع تحت أشعة الشمس
على واجهته لافتة براقه كتب عليها
"مجموعة العارف التجارية".
داخل المكتب الفخم جلس الحاج سالم العارف
رجل ستيني، وقور، ثري، له مكانة وهيبة
كان ينظر من نافذته، يفكر بعمق
"المال يبني الشركات… لكن الأخلاق هي التي تبقيها حان الوقت لاختيار
مدير جديد"
في اليوم التالي، امتلأت القاعة الكبرى بالموظفين
جلسوا في صفوف منتظمة. الأعين كلها تنتظر كلمة الحاج سالم
وقف الرجل، وصوته يملأ المكان قائلا
"أبنائي… أمامنا قرار مهم. أريد مديرًا جديدًا لفرع العاصمة. لن أعتمد على الشهادات
فقط. ولا على الخبرة وحدها. القيادة أخلاق قبل كل
شيء. وقد اخترت ثلاثة مرشحين: عمر… فارس… وليلى."
سرت همسات بين الموظفين
عمر ابتسم بثقة وقال لزميله بصوت منخفض
"المنصب محسوم لي. لا أحد ينافسني"
فارس عقد ذراعيه، ورد ساخرًا
"لا تتسرع يا عمر أنت تتكلم كثيرًا… لكن العمل يحتاج رجلًا مثلي"
أما ليلى فبقيت صامتة تبتسم بهدوء. همست لنفسها
"المناصب رزق من الله… لست بحاجة للتفاخر"
ابتسم الحاج سالم بخبث داخلي ثم قال
"من اليوم… سيخضع المرشحون اختبار لا يعرفون طبيعته. وسيكون الأستاذ نعمان
عيني التي ترى"
خرج الموظفون. وبدأت الأيام تكشف عن معدن كل شخص
في أحد الممرات كان أبو سامي عامل النظافة ينقل دلو الماء
تعثر و سقط وانسكب الماء في الممر
مر عمرأولاً ثم توقف ورفع صوته غاضبًا
"يا رجل! ألم تتعلم بعد؟ كم مرة تكرر هذه الفوضى؟
" أبو سامي انحنى خجلًا ثم قال
"سامحني يا أستاذ… لم أقصد"
لكن عمر لوّح بيده بازدراء ثم مضى
بعده جاء فارس
نظر إلى الأرض المبتلة ثم إلى الرجل العجوز و قال له ببرود
"لقد أفسدت الممر كله. دع الأمر لغيرك اذا كنت لا تقدر عليه"
ثم مشى بخطوات ثقيلة
وأخيرًا مرت ليلى
رأت أبو سامي متوترًا فابتسمت له واقتربت منه قائله
"لا تقلق يا عم . لم يحدث شيئ"
ثم انحنت وأمسكت بالممسحة وقالت
"دعنا ننظفها معًا"
رفع الرجل رأسه بدهشة قائلا
"أنتِ مديرة قسم… كيف تساعدينني؟"
ابتسمت ليلى بتواضع وقالت
"قبل أن أكون مديرة… أنا إنسانة"
ضحك أبو سامي وقال "بارك الله فيكِ يا ابنتي"
من بعيد، كان الأستاذ نعمان يراقب ويسجل ما يحدث
بعد أيام سافر الثلاثة في مهمة عمل إلى مدينة مجاورة
في الطريق جلسوا بمقهى شعبي بسيط
اقترب منهم طفل صغير يبيع المناديل و قال لهم بخجل
"هل تريدون شراء مناديل"
لوح عمر بيده بعصبية "ابتعد أيها الصغير فنحن مشغولون"
الطفل انكمش، وحاول الاتجاه نحو فارس
فارس نظر إليه بصرامة وقال
"اذهب إلى بيتك البيع في الشوارع لن ينفعك . لا نريد منك شيئا"
الطفل عض على شفتيه وعيناه امتلأتا بالدموع
لكن ليلى مدت يدها برفق
"تعال يا بني كم ثمن العلبة؟"
قال الصغير "بجنيه واحد فقط"
ابتسمت وأعطته ثلاثة جنيهات وقالت له
"احتفظ بالباقي وادعُ لنا بالتوفيق"
ابتسم الطفل المسكين وعيناه تلمعان فرحًا قائلا
"الله يرزقكم الخير و يوفقكم جميعا"
ثم رحل وهو يركض مبتهجًا
عمر نظر لليلى باستهزاء وقال لها
"تتصرفين بعاطفة زائدة . الإدارة لا تعرف العواطف"
لكن ليلى ردت عليه بهدوء قائله"
"ومن قال إن الإدارة تعني القسوة؟"
سكت فارس وهو يهز رأسه ساخرًا
وفي طريق العودة، رأوا سيارة قديمة متعطلة. وقف بجانبها رجل عجوز، يحاول عبثًا
إصلاحها
لوّح بيديه لهم مستغيثًا وطالبا للمساعده
قال عمر "لا وقت لدينا. نحن لسنا ميكانيكيين"
وأضاف فارس بسرعة "الاجتماع مهم. لا يمكننا التأخر"
لكن ليلى رفعت يدها للسائق وقالت له "قف لو سمحت"
ثم نزلت، واقتربت من الرجل العجوز وقالت له
"السلام عليكم يا عم. هل تحتاج مساعدة؟"
ابتسم الرجل بامتنان "السيارة لا تعمل. ولا أحد يتوقف ليساعدني"
أخرجت هاتفها، واتصلت بالنجدة "لا تقلق. سيصلون بعد دقائق. وسنبقى معك حتى
يتم اصلاح سيارتك"
وقف الرجل ينظر إليها والدموع في عينيه "بارك الله فيكِ يا ابنتي"
لم تنتهِ الاختبارات هنا
في يوم آخر، دخلت سيدة مسنّة مبنى الشركة
كانت تبحث عن قسم الحسابات. وقفت مرتبكة، تحمل أوراقًا كثيرة
مر عمر بجانبها، ولم يلتفت اليها
اما فارس فنظر اليها وسألها ببرود"إلى أين وماذا تريدين؟"
قالت له "أبحث عن قسم الحسابات يا بني ولا اجده"
أشار اليها بيده ببرود وعدم اهتمام "في الطابق العلوي. اسألي هناك"
ثم تركها و مضى
أما ليلى، فاقتربت منها بلطف وقالت لها
"لا تقلقي يا خالة. سأرافقك بنفسي"
أمسكت بيدها، وأوصلتها إلى المكتب الذي تريده
وجلست معها حتى انتهت أوراقها
قالت السيدة وهي تدعو لها
"جزاك الله خيرًا يا ابنتي… امثالك قليلون في هذا الزمان"
وفي المساء أقيم حفل تكريم موظف قديم تقاعد بعد ثلاثين عامًا من الخدمة
وقف الرجل على المنصة يشكر زملاءه بصوت مرتجف
لكن عمر جلس في الخلف، منشغلًا بهاتفه
و فارس جلس بجانبه متململًا، يتثاءب
أما ليلى، فصعدت إلى جانب الرجل وأمسكت بالميكروفون، وقالت
"هذا الرجل خدم شركتنا بإخلاص. تعلمنا منه الكثير. اليوم نودعه لكن أثره باقٍ في
قلوبنا"
وبعد أسبوعين من هذه الأحداث، اجتمع الثلاثة مرة أخرى أمام الحاج سالم
وقف الرجل الحكيم، نظر إليهم واحدًا واحدًا، وقال
"عمر… أنت ذكي. لكنك أسير غرورك. فارس… أنت منظم. لكن غضبك يفسد حكمتك
أما أنتِ يا ليلى… فأثبتِ أن القيادة أخلاق. رحمة. وتواضع"
سكت لحظة، ثم أعلن
"لهذا… أنتِ المديرة الجديدة لفرع العاصمة."
صفق الحاضرون بحرارة
عمر وفارس تبادلا النظرات المذهولة
اما ليلى فانحنت شاكرة، وعيناها تلمعان بالدموع
في تلك الليلة، جلس الحاج سالم في مكتبه ثم فتح دفتره الذهبي، وكتب
"المال قد يشتري كل شيء… إلا الأخلاق. ومن يملك الأخلاق… يربح القلوب قبل
المناصب"
ثم أغلق دفتره، ونظر إلى الأفق وابتسم وهو يتمتم:
"الشركة الآن… في أيدٍ أمينة ... وانا الان مطمئن"
.png)

%20%D8%8C%20%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%A8%D8%B9%D8%A9%20%D9%88%D8%AD%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%20%20%D9%84%D9%82%D8%B7%D9%87%20%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D9%87%20%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%20%D9%85%D9%85%D8%B1%20%D9%81%D9%89%20%D8%B4%D8%B1%D9%83%D9%87%20%D9%81%D8%AE%D9%85%D9%87%20%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84%20%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%81%D9%87%20%D9%85%D8%B3%D9%86%D9%88%20%20%D9%81%D9%82%D9%8A%D8%B1%20%D9%8A%D8%B1%D8%AA%D8%AF%D9%89%20%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%B3%20.jpg)
%20%D8%8C%20%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%A8%D8%B9%D8%A9%20%D9%88%D8%AD%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%D9%85%D9%82%D9%87%D9%89%20%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A%20%D8%A8%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%8C%20%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%86%20%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86%20%D9%88%20%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%87%20%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%87%20%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%87%20%D9%8A%D8%AC%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%86%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B6%D8%AF.jpg)
%20%D8%8C%20%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%A8%D8%B9%D8%A9%20%D9%88%D8%AD%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%87%20%D9%88%D8%A7%D9%82%D9%81%D9%87%20%D9%88%20%D8%A7%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%20%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%86%20%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%B9%D9%84%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82%20%D9%88%20%D9%8A%D9%82%D9%81%20%D8%A8%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8%D9%87%D8%A7%20%D8%B1%D8%AC%D9%84%20%D9%85%D8%B3%D9%86%20%D8%8C%20%D8%B4%D8%A7%D8%A8.jpg)
%20%D8%8C%20%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%A8%D8%B9%D8%A9%20%D9%88%D8%AD%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9%D8%8C%20%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%20%D9%85%D8%A8%D9%86%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9%D8%8C%20%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D8%A9%20%D9%85%D8%B3%D9%86%D9%91%D8%A9%20%D8%AA%D8%B1%D8%AA%D8%AF%D9%8A%20%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%A1%D8%A9%20%D8%A8%D8%B3%D9%8A%D8%B7%D8%A9%20%D9%88%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%84%20%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8B%D8%A7%20%D9%83%D8%AB%D9%8A%D8%B1%D8%A9%D8%8C%20%D8%AA.jpg)
