في زاوية منسية من المدينة،
كان هناك رجل يكتب رسائل لا ينتظر أن يردّ عليها أحد.
اسمه يوسف، رجل تجاوز الستين من عمره، يعمل في مكتب بريد قديم لم يعد يزوره أحد
إلا نادرًا.
المكان صامت، الجدران متشققة، والساعة المعلقة فوق الباب تصدر صوتًا أعلى من أي
حديث.
وكان يوسف يشبه المكان… متعبًا، هادئًا، ومنسيًا.
عاش وحيدًا لسنوات طويلة.
لا زوجة، لا أبناء، ولا صور معلّقة على الجدران.
كل ما يملكه طاولة خشبية قديمة، مصباح أصفر خافت، ودرج مقفل بمفتاح لا يفارقه.
في كل مساء،
بعد أن يغلق باب المكتب،
يجلس يوسف، يمسك القلم، ويكتب رسالة…
لا يضع اسمًا،
ولا عنوانًا،
فقط يكتب.
كان يكتب لشخص مجهول،
كأنّه يكتب لنفسه في زمنٍ لم يعد موجودًا.
يحكي عن وحدته،
عن شبابه الذي ضاع،
عن أصدقاء رحلوا ولم يودّعهم،
عن خوفه الأكبر…
أن يموت يومًا، ولا يشعر أحد بغيابه.
لم تكن الرسائل تُرسل.
كان يطويها بعناية، ويضعها في الدرج المقفل،
كأنها اعترافات لا يجوز أن يراها أحد.
في الوقت نفسه،
بدأت فتاة في السادسة عشرة من عمرها العمل في مكتب البريد بعد المدرسة.
كان اسمها مريم.
مريم فقدت والدها في الحرب قبل سنوات.
خرج يومًا ولم يعد.
ومنذ ذلك اليوم،
كبر الحزن داخلها أسرع من عمرها.
كانت تعيش مع والدتها ليلى،
امرأة تحاول النجاة من الحياة بصمت،
وتحاول أن تكون قوية من أجل ابنتها.
كانت مريم فتاة قليلة الكلام،
عيناها مليئتان بشيء يشبه الفقد الدائم.
لا تسأل كثيرًا، ولا تضحك كثيرًا.
وكان يوسف يراها كل يوم… ولا يسأل.
لأنه يعرف أن بعض الأحزان لا تُحكى، بل تُحمل.
مرت الأسابيع،
يوسف يكتب رسائله،
ومريم تراقب صمته،
دون أن تعلم أن الكلمات التي تُكتب كل ليلة…
تشبهها أكثر مما تتخيّل.
في مساء بارد،
سقط يوسف أرضًا داخل مكتب البريد من شدة التعب.
لم يكن هناك أحد…
سوى مريم.
أسرعت نحوه،
وأخذته إلى منزله القريب،
بيت صغير، صامت، يشبهه كثيرًا.
وأثناء بحثها عن دواء،
لاحظت درجًا نصف مفتوح.
أوراق كثيرة، مرتبة بعناية.
رسائل… بلا عناوين.
ترددت.
ثم جلست على الأرض… وقرأت.
رسالة واحدة…
ثم أخرى…
ثم عشرات الرسائل.
كانت تقرأ كلمات تشبه وجعها،
تشبه ذلك الفراغ الذي تركه والدها،
تشبه الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا.
شعرت، لأول مرة منذ سنوات،
أن هناك من يفهمها دون أن يعرف اسمها.
أن هناك من يكتب ما كانت تعجز هي عن قوله.
عندما استيقظ يوسف،
وجد مريم جالسة بصمت،
وعيناها محمرّتان.
لم تصرخ.
لم تغضب.
قالت بصوتٍ هادئ لكنه عميق:
"كنت أبحث عن أبي بين هذه الكلمات…
ولم أجده…
لكنّي وجدت نفسي."
نظر إليها يوسف طويلًا،
وفهم أن رسائله وصلت أخيرًا…
دون أن يرسلها.
في تلك الليلة،
لم يكتب يوسف رسالة.
لأول مرة…
لم يكن بحاجة إلى الورق.
أصبح جزءًا من حياتهما،
لا كبديلٍ لأحد،
بل كروحٍ وجدت روحًا أخرى تشبهها.
عادت الطمأنينة إلى البيت،
عاد الدفء،
وعادت مريم تبتسم… ببطء.
لأن بعض الرسائل،
حتى وإن لم تُرسل،
تصل…
حين يكون القلب هو العنوان.



