كان سالم حطاباً، مهنة شاقة لا ترحم الظهر ولا اليدين. كانت تجاعيد وجهه تحكي قصصاً عن كل شتاء مر به، وعن كل شجرة أسقطها ليمنح الدفء لغيره بينما ينام هو يرتجف من البرد. كان وحيداً، لم يتزوج قط، وكان الناس يقولون إن الغابة هي زوجته وأبناؤه.
في ليلة عاصفة، زمجرت فيها السماء بالرعد وكأن الطبيعة تعلن غضبها، كان سالم عائداً من الغابة متأخراً. الرياح تعوي، والمطر يجلد وجهه بلا رحمة. وبينما كان يسرع الخطى نحو كوخه، تناهى إلى سمعه صوت غريب.. لم يكن صوت ذئب، ولا صوت رياح.. كان صوتاً يمزق نياط القلب.. صوت بكاء طفل رضيع.
تتبع سالم الصوت، يزيح الأغصان الشائكة بيديه المتعبتين، حتى وصل إلى شجرة بلوط ضخمة. هناك، في سلة من القش مبتلة، وجد طفلاً لم يتجاوز عمره الأيام، يصرخ بصوت مبحوح، ووجهه أزرق من شدة البرد.
تجمد سالم في مكانه للحظة. نظر حوله لعل أحداً يكون قريباً، لكن الغابة كانت موحشة وخالية. حمل الطفل وضمه إلى صدره تحت معطفه الصوفي الخشن، محاولاً بث الحرارة في جسد الصغير. همس له بصوت مرتجف: "لا تخف يا صغيري.. لست وحدك بعد الآن".
في صباح اليوم التالي، ضجت القرية بالخبر.
"أنت مجنون يا سالم!" صرخ الجار، "أنت بالكاد تطعم نفسك، كيف ستطعم طفلاً؟ سلمه للميتم في المدينة".
نظر سالم إلى الطفل الذي كان ينام بسلام في سرير خشبي صنعه له طوال الليل، وقال بهدوء حازم: "لقد أرسله الله لي في طريقي، ولن أرد هدية الله. سأسميه (يوسف)، لأنه سيكون جميلاً وقوياً".
وهكذا، بدأت رحلة الأبوة غير المتوقعة. تحول الكوخ الموحش إلى منزل دافئ بضحكات يوسف وبكائه. كان سالم يعمل ضعف ما كان يعمل في السابق. يخرج قبل الفجر ويعود بعد الغروب، يجمع الحطب، يبيعه في السوق، ويشتري الحليب والدواء قبل أن يشتري طعامه.
مرت السنوات، وكبر يوسف. لم يكن طفلاً عادياً. بينما كان أطفال القرية يلعبون بالكرة، كان يوسف يجمع الأعشاب من الغابة ويسأل أباه سالم عن أسمائها وفوائدها. كان يضمد جراح العصافير التي تسقط من الأعشاش، ويراقب باهتمام كيف تلتئم الجروح.
في إحدى الأمسيات، جرح سالم يده بعمق أثناء تقطيع جذع ضخم. سال الدم بغزارة، وخاف العجوز. لكن يوسف، الذي كان حينها في العاشرة من عمره، لم يصرخ ولم يهرب. ركض مسرعاً، أحضر بعض أوراق الشجر التي طحنها بحجر، ووضعها على الجرح ثم ربطه بقطعة قماش نظيفة.
قال يوسف بعيون لامعة: "هذه النبتة توقف النزيف يا أبي، قرأت ذلك في الكتاب القديم عند شيخ القرية".
نظر سالم إلى يده، ثم إلى عيني يوسف الذكيتين، وأدرك في تلك اللحظة حقيقة ساطعة. يده الخشنة التي تقطع الأشجار، تربي يداً ناعمة ستنقذ الأرواح.
في تلك الليلة، أقسم سالم قسماً سرياً: "لن يكون حطاباً مثلي.. يداه خُلقت للمشارط لا للفؤوس".
عندما حان وقت دخول الجامعة، كان يوسف متفوقاً دراسياً بشكل مذهل. حصل على القبول في كلية الطب في العاصمة، وهو حلم لم يجرؤ أحد في قريتهم على الحلم به. لكن الحلم كان له ثمن باهظ.. تكاليف السكن، والكتب، والمصاريف كانت تفوق خيال الحطاب البسيط.
جاء يوسف إلى أبيه مطأطأ الرأس وقال: "أبي، سأرفض المنحة. سأبقى هنا لأساعدك في الغابة. أنت تكبر في السن وظهرك لم يعد يحتمل".
ابتسم سالم، ابتسامة تخفي وراءها ألماً جسدياً لا يطاق، ووضع يده على كتف ابنه: "يا بني، أنا لم أحمل الفأس طوال حياتي لأورثها لك. أنا حملتها لكي تحمل أنت القلم والمشرط. اذهب، ولا تفكر في المال".
باع سالم كل ما يملك.. باع قطعة أرض صغيرة كان يدخرها لقبره، وباع أثاث بيته القديم، وبقي ينام على حصيرة. كان يعمل في الصيف والشتاء، في المطر والحر. تقوس ظهره، وابيض شعره بالكامل، وتشققت يداه حتى أصبحت كلحاء الشجر الميت. كان يرسل كل قرش ليوسف، ويكتفي هو بكسرات الخبز الجاف والشاي.
كان يوسف يدرس ليل نهار، مدفوعاً بصورة أبيه وهو يضرب بالفأس. كان يتفوق على أقرانه من أبناء الأثرياء، ليس بذكائه فقط، بل بدافعه. كلما شعر بالتعب، تذكر رائحة نشارة الخشب العالقة في ثياب أبيه، فيعود للكتاب بقوة أكبر.
مرت سبع سنوات عجاف.
في يوم التخرج، وقفت القاعة الكبرى في الجامعة تضج بالتصفيق. نُودي اسم "الدكتور يوسف سالم". صعد الشاب الوسيم، بقامته الطويلة وثوب التخرج الأنيق، إلى المنصة. لكنه لم ينظر إلى الكاميرات أو الأساتذة.. كانت عيناه تبحثان في الصفوف الخلفية.
هناك، في زاوية خفية، جلس رجل عجوز، بملابس رثة لكنها نظيفة ومكوية بعناية. كان يحاول إخفاء يديه المتشققتين تحت عباءته. لم يستطع يوسف أن يتمالك نفسه. نزل من المنصة، وشق صفوف الحضور، والدموع تنهمر من عينيه، حتى وصل إلى العجوز.
انحنى الدكتور يوسف وقبل يدي والده أمام الجميع، ثم قبل قدميه.
ساد صمت رهيب في القاعة، ثم قال يوسف بصوت سمعه الجميع عبر الميكروفون: "هذه الأيادي الخشنة هي التي صنعت هذا الطبيب.. هذا الرجل ضحى بدمه وعرقه لكي أقف أنا هنا اليوم. هو الدكتور الحقيقي، هو من علمني كيف أداوي القلوب قبل الأجساد".
أصبح يوسف جراحاً مشهوراً في العاصمة، وانهالت عليه العروض المغرية من المستشفيات الكبرى. لكنه فاجأ الجميع بقرار آخر.
عاد يوسف إلى قريته النائية عند سفح الجبل. وبنى مستشفى صغيراً وحديثاً بمدخراته وبمساعدة المتبرعين، وأسماه "مستشفى سالم".
في يوم الافتتاح، كان سالم العجوز يقص الشريط، وهو يستند على عصاه، وعيناه تفيضان بالفخر.
عاش سالم بقية حياته مكرماً، لا يحمل فأساً ولا يقطع شجراً، بل يجلس في حديقة المستشفى، يروي للأطفال والمرضى حكاية الليلة العاصفة، والطفل الذي وجده في السلة.
مات سالم بعد سنوات، وحيداً من الألم، محاطاً بالحب. وفي جنازته، لم يبكِ يوسف فقط، بل بكت القرية والقرى المجاورة، لأنهم لم يدفنوا مجرد حطاب.. بل دفنوا أباً عظيماً زرع شجرة في الغابة، فأثمرت ظلاً وشفاءً للناس جميعاً.





