في قلب مدينة تعلوها أبخرة المصانع، حيث تتعالى أصوات الآلات وتداخل ضجيجها، عاش نجار يدعى عمران. كان عمران رجلاً قوي البنية، ذو يدين صلبتين، لكن قلبه يحمل عبئاً خفياً. كانت ورشته المتواضعة تقع في زاوية هادئة من السوق، بالقرب من غابة صغيرة. لم يكن عمران يميل إلى الاختلاط بالناس، وكانت الشكوك تحيط بتعامله مع الآخرين. كان يقضي أيامه بين رائحة الخشب المنشور وغبار الخشب المتطاير، وكأن عمله هو وسيلته للتعبير عن ضيقه الداخلي.
في إحدى الليالي المقمرة، بينما كان عمران ينظف ورشته استعداداً للعودة إلى منزله، سمع صوتاً غريباً يأتي من نافذة الورشة. كان الصوت أشبه بمواء قط ضعيف. اقترب عمران بحذر، وفتح النافذة ليجد قطة صغيرة ملقاة على الأرض، تبدو هزيلة ومريضة. كان فراء القطة رمادياً باهتاً، وعيناها تلمعان بضعف في ضوء القمر. للحظة، فكر عمران في تجاهل الأمر، فالقطط الضالة كثيرة في أطراف المدينة. لكن شيئاً ما في نظرة القطة الضعيفة جعله يتراجع عن قراره.
حمل عمران القطة برفق إلى داخل الورشة، ووضعها على منضدة العمل. لاحظ أن ساق القطة الخلفية كانت ملتوية بشكل غريب. تنهد عمران وقال لنفسه: "يبدو أن هذا المخلوق الصغير في حاجة إلى مساعدة." أحضر قطعة قماش نظيفة ولف بها ساق القطة المكسورة برفق، ثم وضعها في سلة خشبية صغيرة، ووضع بجانبها قطعة خبز جافة وبعض الماء في وعاء صغير. تركها عمران وذهب ليغلق الورشة.
في الصباح التالي، عندما عاد عمران إلى ورشته، تفقد القطة فوجدها مستيقظة، لكنها لم تأكل شيئاً من الخبز ولم تشرب الماء. استغرب عمران، لكنه فكر: "ربما لا تحب القطط الخبز الجاف. سآخذها معي إلى البيت وفي طريقي سأشتري لها بعض السمك." عندما وصل إلى بائع السمك، اشترى قطعة صغيرة من السمك الطازج وقدمها للقطة، فالتهمتها بسرعة. ابتسم عمران وقال وهو يداعبها برفق: "عجيب أمركِ أيتها القطة الصغيرة، حتى أنتِ لم ترضي بالخبز." قرر أن يأخذها معه إلى منزله حتى تشفى تماماً ثم يطلق سراحها.
عندما وصل عمران إلى البيت، وجد زوجته سلمى تنتظره. حكى لها قصة القطة وأنه قرر الاحتفاظ بها مؤقتاً. تعجبت سلمى وقالت لزوجها: "ومن أين سنأتي بالسمك كل يوم ونحن بالكاد نملك قوت يومنا؟" فرد عمران بثقة: "رزقنا ورزقها على الله." وافقت سلمى على مضض، لكنها ظلت تفكر في أمر هذه القطة التي رفضت الخبز وأكلت السمك بشهية.
في صباح اليوم التالي، استيقظ عمران كعادته وذهب لتفقد القطة فوجدها نائمة في السلة. طلب من زوجته ألا تقترب منها حتى يعود من عمله في المساء. ثم ودع زوجته وذهب إلى ورشته. قضى عمران يومه في العمل، وكان شغله الشاغل توفير ما يكفي من المال لشراء الطعام له ولزوجته وللقطة الصغيرة.
في المساء، مر عمران على بائع السمك واشترى قطعة سمك وعاد إلى بيته. سأل زوجته عن حال القطة فقالت له: "لقد طلبت مني ألا أقترب منها وقد فعلت." ذهب عمران لتفقد القطة فوجدها نائمة كما تركها في الصباح. وضع قطعة السمك أمامها ففتحت القطة عينيها ونظرت إلى عمران ثم أكلت السمكة وعادت للنوم. تعجب عمران كثيراً من تصرف هذه القطة، لكنه لم يعر الأمر اهتماماً كبيراً.
بقي عمران على هذا الحال لبضعة أيام حتى أحس بأن القطة قد شفيت تماماً وأصبحت قادرة على الاعتماد على نفسها. قرر أن يأخذها إلى طرف الغابة ويتركها تذهب لحال سبيلها. عندما وصل عمران إلى الغابة، وضع القطة برفق على جذع شجرة واستدار عائداً من حيث أتى. فجأة، سمع عمران مواءً رقيقاً وكأنه يشكره على صنيعه. ابتسم عمران وأكمل طريقه إلى ورشته.
لما وصل إلى باب الورشة، أحس عمران وكأن هناك من يتبعه. استدار ليرى من وراءه، فإذا به يجد نفس القطة واقفة وهي تحمل بين فكيها قطعة قماش مطوية بعناية. ألقتها القطة أمام عمران ثم اختفت بين الأشجار. أخذ عمران قطعة القماش وفتحها بحذر، فوجد بداخلها عدداً من الأحجار الكريمة الصغيرة تلمع ببريق أخاذ. لم يتمالك عمران نفسه من الدهشة والفرح، فذهب مسرعاً إلى زوجته ليخبرها.
من شدة فرحه، وضع قطعة القماش على الطاولة وأخذ يقص على زوجته ما جرى. وبينما كان يتحدث، أخذت سلمى قطعة القماش وبدأت تتفحصها، فلاحظت وجود كتابة دقيقة عليها، وكأنها رسالة. قاطعته قائلة: "انظر ماذا كتب هنا!"
أخذ عمران قطعة القماش فوجد مكتوباً فيها: "لقد حان وقت المكافأة يا عمران. هذه فرصتك لتتخلص من عبء الماضي وتزيل عن قلبك ذكرى الرجل الذي طلب المساعدة قبل خمس سنوات." توقف عمران عن القراءة، وشعر ببرودة تسري في عروقه. تلك الليلة قبل خمس سنوات حاول نسيانها، دفنها في أعماق ذاكرته كما تدفن جذور الأشجار العتيقة في الأرض، لكنه لم يستطع. في تلك الليلة، كانت الأمطار تهطل بغزارة والرياح تعوي كذئب جريح.
كان عمران قد أنهى عمله متأخراً وأطفأ مصابيح الورشة مستعداً للذهاب إلى بيته، حين سمع طرقاً خفيفاً على باب الورشة. تجاهله في البداية، لكن الطرق تكرر. خرج عمران غاضباً وفتح الباب ليجد رجلاً غريباً يقف هناك، يرتجف وبرد يلف جسده النحيل. قال الرجل بصوت خافت: "أرجوك، ساعدني." نظر عمران إلى الرجل نظرة فاترة. كان الرجل يبدو مريضاً وضعيفاً، وثيابه رثة ومبللة. ظن عمران أنه مجرد متسول آخر يطرق الأبواب في وقت متأخر. لم يسأله حتى عن اسمه. كان عمران متعباً وهمه الوحيد في تلك اللحظة هو الدفء والنوم دون إزعاج.
قال له عمران بحدة: "اذهب إلى أقرب مأوى." قالها وهو يغلق الباب في وجهه. وقف الرجل للحظات ناظراً إلى الباب المغلق بعينين يائستين، ثم استدار ومشى ببطء في الظلام والمطر. لم يفكر عمران فيه كثيراً، أغلق الباب وعاد إلى دفء منزله، بينما ترك الرجل يواجه قسوة الليل البارد. لكن في الصباح، حين خرج عمران ليشتري بعض الخشب، رأى تجمعاً صغيراً من الناس بالقرب من النهر.
دفع نفسه وسط الحشد وما رآه جعله يتوقف عن التنفس للحظة. كان الرجل ذاته ملقى على ضفة النهر، جسده بارد كالحجر وعيناه شاخصتان نحو السماء. لم يصل إلى أي مأوى. ظل عمران واقفاً هناك، محدقاً في الرجل الميت. شعر للحظة وكأن البرد قد تغلغل في عظامه رغم دفء الشمس الخفيف. لم يقل شيئاً، لم يعترف لأحد بأنه آخر من رأى الرجل حياً، لكنه حمل الذنب معه طوال تلك السنوات.
بدأت الدموع تنهمر على خدي عمران وهو يكمل قراءة الرسالة المكتوبة على القماش: "أيها النجار الطيب، أنا تلك القطة التي قدمت لها المساعدة. وأنا في الأصل لست قطة، وإنما أنا جنية أرسلني سيدي ملك الجان ليبحث له عن رجل طيب القلب وشجاع ليساعده في مهمة عظيمة. أيها النجار، أنت لست مجبراً على القبول، ولن أطالبك بإرجاع الأحجار الكريمة التي أعطيتك إياها إن رفضت، لأنك تستحقها. أما إن وافقت، فستجدني في انتظارك حيث تركتني في الغابة."
في تلك الليلة، لم ينم عمران. ذهب إلى ورشته وجلس أمام موقده البارد، يراقب الظلام وكأنه يبحث عن إجابة. لكن الإجابة الحقيقية كانت في قلبه. كان رجلاً يعرف أن الندم يمكن أن يحول حتى أقسى القلوب إلى شيء أكثر ليونة. وأن مساعدة ملك الجان قد تكون فرصة لتخفيف عبء ضميره. ذهب إلى زوجته يستشيرها في الأمر. فقالت له سلمى: "يا زوجي العزيز، بما أن هذه القطة لم تؤذنا طوال هذه المدة، فهي على الأرجح جنية طيبة. ولا بأس أن ساعدتها، فقد يكون في ذلك خير لنا."
في اليوم التالي، ذهب عمران إلى الغابة للقاء الجنية. ولما وصل إلى المكان، وجد القطة في انتظاره كما وعدت. اقترب عمران بخطوات يملؤها التردد والخوف، فنطقت القطة بصوت عذب: "لا تخف أيها النجار الطيب، أنا جنية مؤمنة ولا أؤذي البشر. اتبعني لكي أرشدك إلى المكان الذي ينتظرنا فيه سيدي."
انطلقت القطة وتبعها عمران حتى وصل إلى كهف مخفي وسط الأشجار الكثيفة. دخلت القطة الكهف وتبعه عمران، ولما وصل إلى الداخل رأى منظراً غريباً. وجد عرشاً حجرياً ضخماً، يجلس عليه مخلوق مهيب ذو ملامح نبيلة، لكن جسده كان مغطى بالطحالب والأغصان المتشابكة، وكأنه جزء من الكهف نفسه.
سأل عمران بدهشة: "من أنت؟ وما هذا الذي أراه؟" أجاب المخلوق بصوت عميق يتردد في أرجاء الكهف: "أنا ملك هذا العالم الخفي. وقد أصابني سحر قوي من ساحر شرير يسعى للسيطرة على مملكتي. وقد أرسلت هذه الجنية، وهي من أقرب خدمي، للبحث عن شخص ذي قلب نقي وشجاعة لمساعدتي في كسر هذا السحر."
علم عمران أن الرجل الذي أمامه ليس سوى الملك الذي تتحدث عنه الأساطير القديمة. فقال له عمران بتواضع: "أنا مجرد نجار بسيط، كيف لي أن أساعد ملكاً؟" أجاب الملك: "قوة السحر الذي أصابني مرتبطة بقلب حجري مسحور، مخبأ في أعماق بئر قديمة تقع في أرض مهجورة. ويحرس هذا القلب حارس خفي لا يستطيع الوصول إليه إلا من يملك قلباً نقياً لا تشوبه شائبة من الأنانية أو الخوف. وقد رأيت في عينيك يا عمران هذا النقاء."
فكر عمران قليلاً ثم قال: "أنا أقبل مساعدتك أيها الملك، لكن بشرط أن تحمي زوجتي في غيابي وألا يصيبها أي مكروه." فقال الملك: "لا تخف على زوجتك، سأرسل لها حارساً من خدمي يرعاها حتى تعود سالماً."
أمر الملك الجنية القطة بأن تجهز لعمران ما يحتاجه في رحلته من طعام وشراب وأداة بسيطة للحفر. وقال الملك لعمران: "قليلون هم من يملكون شجاعتك وطيبتك. وإن عدت إلي سالماً ونجحت في مهمتك، سأكافئك مكافأة عظيمة."
انطلق عمران بصحبة الجنية القطة، وسارا أياماً وليالي عبر الغابات والوديان حتى وصلا إلى أرض قاحلة موحشة. وفي وسط هذه الأرض، وجدا بئراً قديمة مهجورة. قالت الجنية لعمران: "هذا هو المكان. يجب أن تجد طريقة للدخول إلى البئر واستخراج القلب الحجري."
نظر عمران إلى البئر العميقة المظلمة وشعر بالخوف يتسلل إلى قلبه. لكنه تذكر الرجل الذي تركه يواجه مصيره قبل سنوات، وتذكر نظرة الملك الواثقة. جمع عمران شجاعته وبدأ في البحث حول البئر عن طريقة للنزول. وبعد جهد، وجد حبلاً قديماً متدلياً داخل البئر. ربط عمران الحبل جيداً حول شجرة قريبة وبدأ النزول بحذر إلى الأسفل. كان الظلام دامساً والهواء خانقاً. وبعد مسافة طويلة، وصل إلى قاع البئر. وجد في وسطه حجراً أسوداً غريباً ينبض بنبض خافت. عندما اقترب عمران من الحجر، شعر بقوة غريبة تجذبه إليه.
في تلك اللحظة، ظهر مخلوق ظلامي مخيف يحرس الحجر.
كانت عيناه تشتعلان شراً وأنيابه حادة كالسنان. زمجر المخلوق بصوت مرعب وحاول مهاجمة عمران. لكن عمران، رغم خوفه، تذكر كلمات الملك عن القلب النقي. رفع يده نحو المخلوق وقال بصوت ثابت: "أنا لم آتِ إلى هنا لأوذيك. أنا هنا لمساعدة ملكنا."
توقف المخلوق للحظة، وبدا وكأنه يتفحص قلب عمران. ثم تراجع قليلاً وقال بصوت أجش: "لم أرَ قط إنساناً بهذه النية الصادقة. أنا حارس هذا القلب، وقد أُمرت بحمايته من كل من يحمل في قلبه طمعاً أو شراً. يبدو أن قلبك نقي حقاً."
أشار المخلوق إلى الحجر الأسود وقال: "هذا القلب هو مصدر السحر الذي أصاب ملكنا. خذه بحذر، فهو لا يؤذي إلا من يحمل الشر في داخله." رفع عمران الحجر الأسود بعناية، وشعر ببرودة تسري في جسده، لكنه لم يشعر بأي أذى. ثم بدأ الصعود ببطء مستخدماً الحبل.
عندما وصل عمران إلى الأعلى، كانت الجنية القطة تنتظره بفارغ الصبر. فرحت كثيراً لرؤيته سالماً ومعه القلب الحجري. انطلقا معاً عائدين إلى الكهف حيث ينتظر الملك.
عندما وصل عمران إلى الكهف وقدم القلب الحجري للملك، شع النور في المكان للحظة، وبدأ الطحلب والأغصان المتشابكة تتلاشى عن جسد الملك. عاد الملك إلى هيئته الطبيعية المهيبة، وشكره عمران والجنية القطة على مساعدتهما.
قال الملك لعمران: "لقد وفيت بوعدك وأظهرت شجاعة ونقاء قلب نادرين. والآن، سأفي بوعدي لك." ثم أشار الملك إلى رزمة كبيرة كانت موضوعة جانباً وقال: "هذه هدية لك ولزوجتك مكافأة على طيبتك ومساعدتك." فتح عمران الرزمة فوجد بداخلها كمية كبيرة من الذهب والجواهر الثمينة.
شكر عمران الملك على كرمه، لكنه قال: "يا أيها الملك، أكبر مكافأة لي هي أن أراك قد عدت إلى عرشك سالماً. أما الذهب والجواهر، فهي أكثر مما أستحق."
ابتسم الملك وقال: "يا عمران، أنت تستحق كل خير. وبقلبك النقي هذا، ستكون مستشاراً لي وأميناً على أسراري. ستبقى بجانبي في مملكتي هذه."
عاد عمران إلى زوجته سلمى ومعه الذهب والجواهر، وحكى لها كل ما جرى. فرحت سلمى كثيراً بعودة زوجها سالماً وبالثروة التي حصلوا عليها. لكن الأهم من ذلك، كانت سعيدة لأن قلب زوجها قد تخلص من عبء الماضي.
بقي عمران بجانب الملك، وكان مستشاره الأمين وصديقه الوفي. وعاش عمران وسلمى في سعادة ورخاء، ولم ينسيا أبداً القطة الجنية التي كانت سبباً في تغيير حياتهما إلى الأفضل. وهكذا انتهت قصة النجار والقطة الجنية.

.png)



.png)

.jpg)


